الجمعة، 19 ديسمبر 2014

الدروس الخصوصية بين تجارة النقط والرغبة في النجاح


انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة أو بالأحرى موضة لاقت رواجا واسعا في كل الأطوار التعليمية وهي "الدروس الخصوصية" حيث كانت في وقت قصير حكرا على الأقسام المقبلة على الامتحانات المصيرية كشهادة التعليم الابتدائي، المتوسط و الثانوي الا انه في الوقت الحالي أصبح هناك تهافت كبير للتلاميذ و أولياءهم للتسجيل في صفوف الدروس الخصوصية. فهل هذا راجع الى تدني وتقهقر مستوى التلميذ أم إلى تقاعس الأستاذ في أدائه لواجبه و رسالته النبيلة و جريه وراء الكسب و الربح السريع أم هي قضية عناد و منافسة بين أولياء التلاميذ ؟


ومن اجل اجادة أجوبة لأسئلتنا هذه تم الانطلاق في دراسة الموضوع، حيث أخذنا عينة من المعلمين في الطور الإبتدائي للتحقق اذا كان هناك اجماع نسبي على أن الدروس الخصوصية حينما تمارس بشكل عشوائي ومن غير أهل الخبرة و الاختصاص تضر أكثر مما تنفع لأن هذا الشخص غير المؤهل يقوم بعملية حشو للمعلومات دونما دراية بالمناهج مما يصعب على التلميذ الفهم و على المعلم معالجة تلك المفاهيم كما لاحظوا بأن معظم تلاميذهم الذين يجرون هذه الدروس بصفة آلية لم يسجلوا أي تحسن.
 وفي هذا الصدد، تقول المعلمة "ع.ف" و أردف المعلم "ب.ف" قائلا بأن التلاميذ يرون في مثل هذه الدروس عالما من الحرية خال من العقاب و الحساب الموجود في المدرسة، حيث أصبحوا يهتمون بها و يعولون عليها أكثر مما يقدمه لهم المعلم في القسم وبالتالي الابتعاد عن صرامة المعلم كما إشتكت معلمة من الوقت الضيق و الكم الهائل من المواد التي أثقلت كاهل التلميذ و المعلم في نفس الوقت و اتفقوا على أن المعلم الكفء والمتابعة في البيت من طرف الأهل هما عنصران أساسيان وراء كل مردود إيجابي لكل تلميذ لأنهم لا يبخلون بحصص الدعم و حصص المعالجة .
عالما من الحرية خال من العقب
أما في ما يخص الأولياء فإن معظمهم اتفقوا على أن أبنائهم يحتاجون بالدرجة الأولى إلى معلمين أكفاء يكرسون وقتهم و جهودهم للتلميذ و يجعلونه يستغني عن مصطلح درس خصوصي الذي أصبح دخيلا على المجتمع الجزائري كما لم ينسوا بأن واجبهم كآباء وأمهات في متابعة أبنائهم في البيت يلعب دورا أساسيا في تكامل الجهود فهم يرون أن على التلميذ في هذه المرحلة ينظم وقته فيقسمه بين الدراسة في المدرسة و اللعب و الترفيه أثناء العطلة الأسبوعية لأن ذلك من شأنه أن ينمي قدراته و مستواه و تجدر الإشارة أن معظم الأولياء إشتكوا من تدني مستوى المعلمين و رأوا بأن المعلم الحقيقي هو ذلك الذي يتعب في القسم لأجل تلميذه لا ذلك الذي يطالبه بضرورة الدروس الخصوصية في حين أن بعض الأولياء رأوا في الدروس الخصوصية دعما في أبنائهم لأن صعوبة المناهج و عدم إيجادهم الوقت اللازم لتدريس أولادهم يجعلهم يرسلونهم إلى الدروس الخصوصية و خاصة في المراد الصعبة كالرياضيات والفرنسية و ننوه إلى أن هناك فئة بالرغم أبنائهم و بشهادة المعلمين لقدرات هائلة و إمكانيات ممتازة لأنهم يدفعون بأبنائهم إلى الركض وراء الدرس الخصوصي من أجل المفاخرة و المباهاة و عنادا منهم لجيرانهم وأقاربهم لا غير متناسين بذلك أن هذا الأمر يمكن أن يؤثر سلبا على مستوى التحصيل لدى الأبناء يودي إلى حشو للدماغ.
قابلنا أحد الآباء "ح.م.ه " ابنة تدرس في المتوسطة "م.ع " بقسنطينة دعا الى الحديث في هذا الموضوع بكل صراحة دونما موارية او مجاملة او اتهام و قال سأنطلق من تجربتي الشخصية فابنتي تتلقى دروسا من استاذتها التي تدرسها في القسم، و قد كان لذلك تأثير ايجابي على نتائجها و لا يهمني ان كان ذلك ممنوعا فانا أقوم بذلك  عن طيب خاطر و لا احد يمارس عليا ضغوطا و في هذا السياق تجدر الاشارة الى ان هناك بعض الاولياء اضحت عندهم  الدروس الخصوصية موضوعا للتباهي فكم من أم تفتخر في المجالس بأن ابنها او ابنتها يتلقى درسا خصوصيا في كل المواد و تمادوا في تنافسهم وتباهيهم فاصبحوا ينتقون الاساتذة والمعلمين .حيث  تقول السيدة ح.ز بانها تختار الاستاذ ب و.ا بحكم خبرته الطويلة و تعتمد عليه كل الاعتماد و تدفع له مبالغ كبيرة لقاء نجاح ابنها الذي لا يزال يدرس في السنة الأولى متوسط  ، اما جارتها ح.ب و فهي لا تؤمن بضرورة الدروس الخصوصية في هذه المرحلة لان التلميذ لا يحتاج اليها الا في النهائي. و في طريقينا الى احدى متوسطات قسنطينة صادفت أولياءا لتلاميذ الذين وجدتهم ساخطين و ناقمين على الوضع  ووجدوا في سؤالي لهم فرصة للبوح بما يختلج قلوبهم  ، حيث اشتكوا من تدني مستوى التعليم في الجزائر و اكدوا على ان الوزارة اصبحت تثق في اشخاص لا يمتلكون لا الخبرة و لا الدراية بمعنى انها تضع الاساتذة بطريقة عشوائية بقانون الرشوة و المحسوبية . مما ينعكس سلبا على التحصيل العلمي للتلميذ فيدفعه ذلك للاستعانة بمدرس خصوصي لكي لا يحرم الاب و الابن معا من فرحة النجاح ، هذا الخيار مصاريفه كبيرة  استنزفت جيب الاولياء خاصة  ذو الدخل المحدود . ولاحظوا بان المناهج الدراسية تحتوي على كم هائل من المعلومات التي تجعل التلميذ يقف حائرا امامها  فعلى ماذا يركز و ايهما المهم .كما نددوا بتصرفات بعض الاساتذة الانانيين الذين يبخلون في القسم في حين يدعون التلاميذ لدرس خصوصي في منازلهم و طالبوا بضرورة اتخاذ  عقاب صارم و هذه النوعية من الاساتذة الذين بلغ بهم الطمع الى نسيان شرف المهنة فباعوه بثمن بخس... دراهم معدودات .
محل تفاخر بين الأولياء
و في ذات الموضوع صارحتنا تلميذة"ب.ا" في السنة الرابعة متوسط بأن هناك استاذا لمادة الرياضيات لا يبالي ولا يهتم بهم اثناء الدرس  و يطالبهم باللجوء للدروس الخصوصية في منزله و احيانا يقوم بالتلميح لنوعية اسئلة الفروض  في صورة تمارين  يتم حلها في الدرس الخصوصي. قررنا زيارة مكتب  مستشارة التوجيه المدرسي في ذات المؤسسة السيدة  ص.ب فقالت بانه لا توجد لحد الان  نظرية علمية تأكد ان للتوفق العلمي علاقة  بالدروس الخصوصية ، كما ترى بان مشكلة تكدس الطلبة في الفصل سبب رئيسي لتفشي الظاهرة  بطريقة غير مباشرة فالأستاذ هنا لا يستطيع ان يغطي القسم بأكمله و يسال جميع التلاميذ اذا ما فهموا الدرس ام لا. كما ان قدرة الاستيعاب تختلف من تلميذ الى اخر فهناك من يفهم من الوهلة الاولى و منهم من يحتاج الى تكرار و شرح مرات عديدة لذى اغلب هؤلاء يلجؤون الى الدرس الخصوصي، ضف الى ذلك ان تقصير المدرس و احتواء المناهج و خصوصا العلمية على دروس معقدة يجعل الدرس الخصوصي الحل الانجع هذا الاخير يولد في نظرها شخصا  اتكاليا بحاجة دائمة الى دعائم  و بدائل عوض الاعتماد على النفس و بذل مجهودات فردية مما يقلل من امكانية حدوث نمو في القدرات الذهنية للأفراد والتي تلعب دورا في تطور المجتمع و بروز ابتكارات و اختراعات. 
أساتذة ومعلمون ينددون بمرتزقة التعليم
الاساتذة بدورهم يتفقون على أن الدروس الخصوصية ضرورية في هذا المستوى خاصة التلاميذ المقبلين على امتحان شهادة التعليم المتوسط حيث تقول الاستاذة  "و.دلال"  في مادة الرياضيات بان مادتها صعبة الفهم و الوقت الضيق لا يكفيها  لشرح لذلك لا ألوم التلاميذ  على لجوئهم  لهذه الدروس، فأحيانا هناك أساتذة لا يعطون الا كما زهيدا  من الشرح و المعلومات ما يضطر بتلميذ الى البحث عن  مجال اوسع و فرص فهم اكثر خوفا من الرسوب آخر السنة. 
وتقول "ع فريدة " وهي تشتغل أستاذة للغة العربية ان حاجة التلميذ لمعدلات عالية والى نجاح يحفظ ماء الوجه يجعله يقع فريسة من لا يهتمون الا باللهث وراء الاموال باي طريقة حتى لو كانت باستغلال فئة ذنبها الوحيد انها تسعى لطلب العلم فهي تسمي هذه النوعية من المعلمين الغير منظمين بالمرتزقة، وترى كذلك بأن تلاميذ النهائي هم الاولى بهذه الدروس اما الاقسام الاخرى فهي  لا تحتاج لذلك ، غير أن الاستاذة "م دليلة " تخالفها الرأي  وتتحجج  بأن الاقسام الاخرى يحتاجون الى الدروس الخصوصية لانهم وجدوا صعوبة في الاندماج وخلطا في المواد بحكم أنه اتوا من مرحلة ابتدائية اعتادوا فيها على استاذ واحد ومواد قليلة . 
واصلنا تقليب أوراق موضوعنا حول الدروس الخصوصية فاستطلعنا أراء أولياء لتلاميذ في الثانوي حيث أجابنا  ولي تلميذة في الثانية ثانوي  قائلا  بان ابنته من قبل لم تكن  بحاجة إلى دروس خصوصية أما في هذه المرحلة  فهي تحتاج لها و أنا من جهتي لا ابخل عليها بالغالي و النفيس فالدراسة صعبة و المناهج معقدة و الأساتذة حدث و لاحرج .
و على العموم فقد لاقينا إجماعا واسعا من طرف أولياء الأمور على أن الدروس الخصوصية شر لابد منه ، فهم يعتقدون أنها تساعد على نجاح أبنائهم كما لم يخفوا غضبهم من ممارسات بعض الأساتذة و المعلمين الذين يخالفون جوهر الرسالة  التربوية النبيلة و يحولونها إلى عملية تجارية تخضع لمقاييس لا يقدر عليها اغلب الأولياء .وقد أفادنا أحد الأولياء أن بعض أساتذة المواد العلمية يطلبون مبالغ شهرية عن التلميذ الواحد تفوق قدرة المعقول لكنهم رغم ذلك مستعدون لشراء فرحة النجاح و خاصة في شهادة  البكالوريا  بأي ثمن كان.
اجراءات بابا أحمد الجديدة هل ستكون الحل  ؟
دخلنا المدرسة فقابلنا تلاميذ في النهائي حيث قال التلميذ "ماضي. ا" مع قرب نهاية العام اذهب   للدروس الخصوصية و في ظرف أسبوعين أكون قد فهمت المناهج كلها و استعددت لدخول الاختبار في كامل جاهزيتي فلماذا الاهتمام طوال العام و المسالة بسيطة مع الدروس الخصوصية غير أن  زميله بريك .أ يخالفه الرأي منوها بضرورة المتابعة و الحرص منذ بداية العام الدراسي و انه لا يمانع إن تساعده هذه الدروس في إعادة استيضاح و شرح بعض المواضيع و لكن لا تكون هي الركيزة التي يتكىء عليها الطالب، ثم دخلنا قاعة الأساتذة  وجدنا السيد "ر. شطيبي" أستاذ اللغة العربية حيث يعتبر الدروس الخصوصية كارثة أضرت بالتعليم و أمست  بنبل المهنة و شرفها، حيث أصبح يمارسها من هب و دب دون رقابة او تقنين و لكنه رغم موقفه الرافض إلا انه منخرط في العملية ذلك أن ابنيه يتلقيان الدروس الخصوصية.وعلى العموم فأساتذة الثانوي لا يمانعون من تلقي تلاميذهم المقبلين على شهادة البكالوريا  لمثل هذه الدروس لان طبيعة المنهاج تفرض ذلك .و أصروا على ضرورة اختيار أستاذ كفء لهذه المهمة .
وفي الأخير تبقى الدروس الخصوصية كلمتان خفيفتان على لسان التلميذ ثقيلتان على جيب الولي فالأول باحث عن النجا  بأي ثمن و الثاني صامت متذمر، و ما بين هذا و ذاك تستشري الظاهرة تدريجيا في وسط المجتمع الجزائري فعلى الوزارة دق ناقوس الخطر و الإسراع في تطبيق القوانين الردعية التي تتغنى بها كعقوبة دفع الغرامة المالية كما يجدر بها تعيين خبراء و مختصين في تأليف و تحديد المناهج هذه الأخيرة التي تعتبر بمثابة أساس و بنية تحتية في صنع الجيل الذي يبني و يعمر الوطن و تحت إشراف أساتذة مؤهلين و أكفاء يجعلون تلاميذنا يستغنون عن مدرس خصوصي يحاول العبث بالمنهاج  و جعله أشبه بكسولة يغذي بها الطالب .


 

 

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

صوت وصورة

 

، فهـرس الـموقــع | سياسة الخصوصية